ابن عجيبة

420

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : يَحْسَبُونَ أي : هؤلاء المنافقون الْأَحْزابَ ، يعنى : قريشا وغطفان ، الذين تحزبوا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أي : اجتمعوا ، أنهم لَمْ يَذْهَبُوا ولم ينصرفوا ؛ لشدة جبنهم ، مع أنهم انصرفوا . وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ كرة ثانية ؛ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ ، والبادون : جمع باد ، أي : يتمنى المنافقون - لجبنهم - أنهم خارجون من المدينة إلى البادية ، حاصلون بين الأعراب ؛ ليأمنوا على أنفسهم ، ويعتزلوا مما فيه الخوف من الحرب ، يَسْئَلُونَ كل قادم منهم من جانب المدينة . وقرئ يساءلون « 1 » ، بالشد . أي : يتساءلون ، بعضهم بعضا عَنْ أَنْبائِكُمْ ؛ عن أخباركم وعما جرى عليكم ، وَلَوْ كانُوا أي : هؤلاء المنافقون فِيكُمْ أي : حاضرون في عسكركم ، وحضر قتال ، ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا ؛ رياء وسمعة ، ولو كان اللّه ؛ لكان كثيرا ؛ إذ لا يقل عمل للّه . الإشارة : الجبان يخاف والناس آمنون ، والشجاع يأمن والناس خائفون ، ولا ينال من طريق القوم شيئا جبان ولا مستحى ولا متكبر . فمن أوصاف الضعفاء : أنهم ، إذا نزلت بالقوم شدة أو محنة - كما امتحن الجنيد وأصحابه - يتمنون أنهم خارجون عنهم ، وربما خرجوا بالفعل ، وإن ذهبت شوكتهم ؛ يحسبون أنهم لم يذهبوا ؛ لشدة جزعهم . ومن أوصافهم : أنهم يكثر سؤالهم عن أخبار القوم ، والبحث عما جرى بهم ؛ خوفا وجزعا ؛ ولو مضوا معهم لم يغنوا شيئا . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر ضدهم من أهل القوة ، فقال : [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 21 إلى 24 ] لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ( 21 ) وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلاَّ إِيماناً وَتَسْلِيماً ( 22 ) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ( 23 ) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 24 )

--> ( 1 ) وهي قراءة رويس ، ورويت عن زيد بن علي ، وقتادة ، وغيرهما . انظر الإتحاف ( 2 / 373 ) .